إذا كنت تعمل كمستشار للهجرة، فلابد أنك في يوم ما، بدأت ملفا ما لأحد عملاءك، وبذلت فيه الجهد اللازم حتى اقتنعت بأنه أصبح جاهزا للإرسال، ومن ثم توكلت على الله وأرسلته لإدارة الهجرة، ليمر وقت ما (أسبوع، شهر، إلخ) وتفاجأ بسؤال (أو جملة، تعليق، إلخ) من العميل (صاحب الملف)، تفهم منه أنه كانت هناك معلومة جوهرية (أو مستند)، لم يطلعك عليها، رغم أنك أعطيته الوقت الكافي، والعدد الكافي من اللقاءات أثناء مراجعة الملف وتحضير الطلب، مما لا يجعل هناك أي عذر نهائيا لإخفاء تلك المعلومة.

ملاحظة هامة: ليس مقصد هذا المقال التعميم نهائيا، فمعظم راغبي الهجرة يعلمون تماما أهمية الشفافية والإفصاح الكامل عند التعامل مع الحكومة الكندية، ولكن هناك البعض الذي يقع في هذا الخطأ لأسباب أخرى، ولهذا رأيت أهمية مشاركة بعض المعلومات الهامة حوله.

هنا، تجد نفسك في موقف لا تحسد عليه، فقد قمت “دون أن تدري”، بإرسال ملف لإدارة الهجرة، يحتوي على إخفاء للمعلومات (سواء كان متعمدا أو غير متعمد من العميل)، والأهم من شعورك، هو ، ماذا تفعل، وأي خيار ستختار من بين الخيارات التالية:

  • هل تنسحب فورا من تمثيل العميل وتعيد إليه طلبه وأوراقه
  • أو تقوم بتصحيح الخطأ عن طريق الإفصاح لإدارة الهجرة عن المعلومات التي تم إخفاءها
  • أو تواصل الطلب كما هو ، آملا ألا يتم اكتشاف الخطأ من قبل إدارة الهجرة

من المؤكد، أن الخيار الأخير، ليس بأحد الخيارات الممكنة، فوفقا لقانون الهجرة، إضافة للكود الخاص بأخلاقيات المهنة، وفوق ذلك وقبله، تقوى الله في السر والعلن، فإنه ليس هناك خيار في موقف كهذا يتضمن مواصلة الطلب دون الإفصاح عن المعلومة التي قام عميلك بإخفاءها عنك كما سنناقش فيما يلي

إذا، يتبقى أحد خيارين، الإنسحاب ، أو إصلاح الخطأ، وهنا يجب مناقشة كل من الخيارين (ما له وما عليه)، ويظل القرار الأخير لك، حيث أنك يجب أن تأخذ قرارك (إذا ما تعرضت لموقف مماثل) في ظل الظروف المحيطة الخاصة بالملف وبالعميل معا.

وبالتالي فإن مقال كهذا، ليس هدفه وضع مقياس معين للجميع أو التوصية بقرار دون غيره، وإنما الهدف هو إلقاء الضوء على هذا الموقف الذي يواجه العديد من ممارسي المهنة من آن لآخر

دعونا أولا، نراجع بعض المواضع التي ورد فيها ذكر تلك المخالفة (إخفاء المعلومات) وهي ضمن بند أكبر يسمى (Misrepresentation) ، وترجمتها حرفيا (التحريف)، وتعني هنا تقديم معلومات الملف (كلها أو بعض منها) بصورة غير حقيقية، بما يتضمن إخفاء بعض تلك المعلومات

الموضع الأول: ضمن تفاصيل الجزء (1) الهجرة إلى كندا – المادة (10) ، وتحتوي على ما يلي:

لا يحق للشخص الأجنبي تقديم طلب للهجرة إذا ما كان سبق تصنيفه كشخص ممنوع من دخول الأراضي الكندية على خلفية ثبوت قيامه بتحريف أو إخفاء المعلومات.

الموضع الثاني: ضمن تفاصيل الجزء (1) الهجرة إلى كندا – المادة (40) ، وتحتوي على ما يلي:

يعتبر المقيم إقامة دائمة، أو الأجنبي ممنوع من الدخول للأراضي الكندية (بمعنى منعه من الدخول إذا كان خارج كندا أو ترحيله إذا كان موجودا داخل كندا بالفعل)، إذا قام بصورة مباشرة أو بصورة غير مباشرة بتحريف معلومات أو إخفاء معلومات تخص حقائق مرتبطة بأمور هامة بما يؤدي لحدوث خطأ في إدارة الملف أو اتخاذ القرار السليم بخصوصه.

كذلك يصبح الشخص ضمن نفس الفئة (الممنوعين من دخول الأراضي الكندية أو البقاء بها)، إذا كان تحت كفالة شخص يقع ضمن هذه الفئة.

ويستمر هذا المنع لمدة خمس سنوات كاملة اعتبارا من تاريخ صدور القرار النهائي بذلك إذا كان الشخص خارج كندا، أو من تاريخ ترحيله الفعلي إذا كان الشخص تم ترحيله من داخل كندا لهذا السبب.

الموضع الثالث: ضمن تفاصيل الجزء (1) الهجرة إلى كندا – المادة (64) ، وتحتوي على ما يلي:

لا يحق لمن تم رفض طلبه بسبب تصنيفه ضمن الممنوعين من دخول الأراضي الكندية، تحت بند تحريف وإخفاء المعلومات، أن يتقدم بطلب استئناف ، إلا إذا كان الشخص غير الكندي وغير المقيم، هو شريك الحياة في طلب كفالة أسرية، وهناك شروط أكثر تفصيلا لهذه الحالة الفردية من أبرز ما فيها هو إذا كان هناك طفل أو أطفال سيتضررون بسبب هذا الرفض، حيث قد تقدم مصلحتهم على بنود القانون في بعض الحالات.

الموضع الرابع: ضمن تفاصيل الجزء (3) الإنفاذ –المادة (126) ، وتحتوي على ما يلي:

يعتبر مدانا بمخالفة قانونية جسيمة في نظر قانون الهجرة الكندى، أي شخص يقوم بتمثيل وتقديم النصح أو التحريض لأي شخص على تحريف أو إخفاء معلومات بصورة مباشرة أو غير مباشرة تخص حقائق مرتبطة بأمور هامة بما يؤدي لحدوث خطأ في إدارة الملف أو اتخاذ القرار السليم بخصوصه وفقا لهذا القانون.

الموضع الخامس: ضمن تفاصيل الجزء (3) الإنفاذ – المادة (127) ، وتحتوي على ما يلي:

لا يسمح لأي شخص بأن يقوم بتحريف أو إخفاء معلومات، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تخص حقائق ومعلومات مرتبطة بأمور هامة بما يؤدي لحدوث خطأ في إدارة الملف أو اتخاذ القرار السليم بشأنه وفقا لهذا القانون (قانون الهجرة الكندي).

الموضع السادس: ضمن تفاصيل الجزء (3) الإنفاذ – المادة (128) ، وتحتوي على ما يلي:

فيما يتعلق بالعقوبات (للمخالف أو من شارك في مساعدته على اتمام المخالفة بالتخطيط لها او السكوت عليها):
  • إذا أدين الشخص باعتبار المخالفة في مستوى الجناية يتم عقاب الشخص بغرامة تصل إلى 100,000 (مائة ألف دولار كندي)، أو بالسجن لمدة تصل إلى خمس سنوات ، أو يمكن الحكم عليه بكلا العقوبتين معا.
  • إذا أدين الشخص باعتبار المخالفة في مستوى الجنحة، يتم عقاب الشخص بغرامة تصل إلى 50,000 (خمسين ألف دولار كندي) أو بالسجن لمدة تصل إلى عامين أو يمكن الحكم عليه بكلا العقوبتين معا.

إضافة إلى ذلك، تم التعرض لهذه المخالفة (الجسيمة) في عدة مواضع أخرى سوف لا نسترسل في عرضها تجنبا للإطالة، حيث -أتمنى- أن يكون السرد السابق قد ساهم في توضيح مدى أهمية (بل وخطورة) تلك المخالفة في نظر القانون الكندي

عليه، نعود لخياراتنا عند التعرض لهذا الموقف

في جميع الأحوال، يجب عليك (كمحامي أو مستشار هجرة)، أن تعقد جلسة فورية مع العميل (سواء وجها لوجه أو عن طريق الإنترنت)، تحصل منه (أو منها) خلال تلك الجلسة على كافة التفاصيل المتعلقة بهذا الحدث، ومنها: السبب؟، الكيفية؟، هل كانت متعمدة؟، ماذا كان الهدف من ورائها في نظر العميل؟ لماذا تم إخفاء المعلومة (أو المستند) عنك أنت رغم كونك مستشار العميل؟ إضافة لكافة الأسئلة التي تراها ضرورية لكي تستطيع بناء صورة أقرب للواقع عما حدث، ونصيحتي هنا أن تكون جامعا للمعلومات أكثر منك واضعا للأحكام أو ملقيا للنصائح.

حيث أنك إذا شرعت في توجيه اللوم والعتاب للعميل، سوف يتحول اللقاء بسرعة إلى عملية دفاع عن النفس من قبل العميل، وتبريرات ، قد تتضمن تحريف جديد للمعلومات من هدفه إقناعك أنت بأنه لم يكن هناك خطأ متعمد، أو على العكس، قد يكون الخطأ فعلا غير متعمد، وتؤدي إي طريقة هجومية في الحديث من قبلك إلى إرباك العميل وإظهاره لنفسه بمظهر المتعمد، دون أن يكون ذلك حقيقيا

وبعد انتهاء الجلسة، يجب عليك أن تجمع كافة المعلومات التي دونتها من إفادة العميل لك في هذا الاجتماع، وتأخذ عدة أيام لتفكر في الأمر بهدوء وتراجع كافة المعلومات الأصلية التي تم تزويدك بها عند بدء الملف، وتلك المعلومات التي تم تزويدك في لقاءك الأخير مع العميل، وتقوم بكافة الإجراءات الأخرى التي تعلمتها من خلال ممارستك للمهنة، ومن الحياة أيضا، للوصول لقرار وقناعة شخصية حول عنصرين هامين:

التعمد في إخفاء المعلومة

وأعني بها وصولك لقناعة بأن العميل قد أخفى المعلومة عنك متعمدا لرغبته في الالتفاف على القانون دون أن يعلمك، أو على العكس، أنه لم يكن متعمدا في إخفاؤه لتلك المعلومة (أو المستند)

مدى تأثير المعلومة في اتخاذ القرار

وأعني بها مدى أهمية ودور تلك المعلومة في الإدارة السليمة لإدارة الهجرة للملف ومدى تأثيرها على صحة القرار، فهل هي معلومة يؤدي وجودها بالملف إلى صدور قرار بالرفض، أم أنها معلومة فرعية غير ذات تأثير على صحة الملف.

مرحلة اتخاذ القرار:

وكما ذكرت مسبقا، ليست القرارات المذكورة هنا غير اقتراحات، أميل إليها، بوصفها الأقرب في نظري إلى الضمير المهني السليم، الذي يجب الالتزام به، وهي أيضا ما يوافق القانون والقواعد المهنية التي تم الالتزام بها عند الترخيص لأي منتسب للمهنة بمزاولتها سواء كان محامي أو مستشار للهجرة

أولا: قرار الانسحاب المباشر وإعادة أوراق العميل إليه

إذا وصلت إلى قناعة داخلية (بعد مراجعة كافة المعلومات والظروف، إلخ) بأن العميل كانت لديه نية التعمد في إخفاء المعلومة أو المستند سواء بإخفاءها عنك أنت كممثله الرسمي، أو عن الحكومة الكندية، أو كلاكما، فإن القرار الأمثل هو الإنسحاب المباشر من تمثيل العميل وفسخ التعاقد

ويكون هذا هو القرار الأمثل (من وجهة نظري الشخصية) بغض النظر عما إذا كانت المعلومة أو المستند الذي تم إخفاؤه مؤثرا في اتخاذ القرار بالسلب أو الإيجاب

ثانيا: قرار إصلاح الخطأ بإخبار الحكومة الكندية، مع الاستمرار في تمثيل العميل قانونا

إذا ما وصلت إلى قناعة داخلية (بعد مراجعة كافة المعلومات والظروف، إلخ) بأن العميل لم تكن لديه نية التعمد في إخفاء المعلومة أو المستند، كأن يكون سهوا كاملا (وهو صعب الإثبات إلى حد كبير)، أو أن يكون هناك سببا آخر (تقتنع به) أدى إلى تفكير العميل بأن هذه المعلومة (أو المستند) ليست لها علاقة بالملف، ففي هذه الحالة يكون من الجائر الاستمرار في تمثيل العميل قانونا وتصحيح الخطأ فورا بإخبار الحكومة الكندية به

ولكن،

  • ما هى المعلومة أو المستند الذي يمكن اعتباره مخفيا إذا لم يتم التصريح به عند بدء الملف؟

  • كيف يمكن تجنب الوصول إلى الموقف المطروح بهذا المقال (موقف الإخفاء المتعمد أو عدم التصريح غير المقصود)؟

  • وكيف يتم التوصل لأي من القرارين السابقين وتنفيذ كل منهما بصورة سليمة؟

هذا ما سيتم عرضه بالتفصيل في مقال قادم قريبا بإذن الله… وفقكم الله جميعا


 

Related Posts